أحمد بن محمود السيواسي
121
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة محمد ( 47 ) : آية 24 ] أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) ( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ ) أي ألا يستمعون ( الْقُرْآنَ ) فلا يتفكرون فيه من وعده ووعيده فيعرفون الحق فيؤمون به ( أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) [ 24 ] « أَمْ » فيه بمعنى بل وهمزة التقرير ، أي بل أعلى قلوبهم أقفالها ، أي أغطيتها من وصول الذكر إليها بشؤم أعمالهم القبيحة ، فلذلك لا يتدبرونه ولا يعونه وأراد بها قلوب المنافقين وأعداء الدين ، قيل : نكر ال « قُلُوبٍ » إما للدلالة على بعض القلوب وإما لأن يراد بها قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك وإما أضيفت ا ل « أقفال » إليها لإرادة الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت لا تنفتح « 1 » . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 25 ] إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ( 25 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ) نزل في المنافقين « 2 » أو اليهود الذين عرفوا نعت النبي عليه السّلام فكفروا به « 3 » ، أي إن الذين رجعوا إلى الكفر سرا ( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) أي ظهر لهم حقية الإسلام فنافقوا أو ظهر لهم في التورية أن محمدا عليه السّلام حق ودينه حق ، فرجعوا إلى الإنكار بعد العرفان ، قوله ( الشَّيْطانُ ) مبتدأ ، خبره ( سَوَّلَ ) أي زين ( لَهُمُ ) أعمالهم السوء ، وهما في محل الرفع خبر « إِنَّ الَّذِينَ » ( وَأَمْلى لَهُمْ ) [ 25 ] معلوما ومجهولا « 4 » ، أي مد اللّه في عمرهم ، يعني أمهلهم في ارتكاب معاصيهم ، ثم أخذهم أو الإملاء للشيطان بأن قال لهم لا جنة ولا نار ولا حساب أو خيل لهم تطويل مدة العمر والبقاء فارتكبوا المعاصي وتركوا الهدى . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 26 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ( 26 ) ( ذلِكَ ) أي الإضلال والخذلان ( بِأَنَّهُمْ ) أي بسبب أن المرتدين ( قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ) أي القرآن وهم المشركون من بني قريظة والنضير ( سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ) أي أمر لمعاونة على عداوة النبي عليه السّلام وتثبيط الناس عن الجهاد معه ، فإنهم قالوا ذلك سرا فأظهره اللّه تعالى بدلالة قوله ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ) [ 26 ] فيما بينهم ، قرئ بالفتح جمعا وبالكسر مصدرا « 5 » . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 27 ] فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) ثم خوفهم اللّه تعالى بقوله ( فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ ) أي كيف يكون حالهم إذا قضيت ( الْمَلائِكَةُ ) أرواحهم حال كونهم ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ) [ 27 ] أي ظهورهم بمقامع الحديد عند قبض الأرواح ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب الملائكة » - أي ملك الموت وأعوانه - وجهه ودبره » « 6 » ، وقيل : يضربون ذلك في النار يوم القيامة « 7 » . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 28 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 28 ) ( ذلِكَ ) أي الضرب في الموت أو في النار ( بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ ) من الكفر وتكذيب محمد عليه السّلام ( وَكَرِهُوا ) أي أبغضوا ( رِضْوانَهُ ) أي العمل بما يرضيه ( فَأَحْبَطَ ) أي أبطل اللّه ( أَعْمالَهُمْ ) [ 28 ] أي ثوابها . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 29 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أي أظن المنافقون ( أَنْ لَنْ يُخْرِجَ ) أي لن يظهر ( اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ) [ 29 ] أي أحقادهم وهي بعضهم ونفاقهم وعداوتهم المؤمنين والنبي عليه السّلام .
--> ( 1 ) أخذ المؤلف هذه الأقوال عن الكشاف ، 5 / 266 . ( 2 ) عن ابن عباس والضحاك والسدي ، انظر البغوي ، 5 / 160 . ( 3 ) عن قتادة ، انظر السمرقندي ، 3 / 245 ؛ والبغوي ، 5 / 160 . ( 4 ) « وأملى » : قرأ أبو عمرو بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ، وقرأ يعقوب بضم الهمزة وكسر اللام وإسكان الياء ، والباقون بفتح الهمزة واللام وألف بعدها . البدور الزاهرة ، 297 - 298 . ( 5 ) « إسرارهم » : قرأ حفص والأخوان وخلف بكسر الهمزة ، وغيرهم بفتحها . البدور الزاهرة ، 298 . ( 6 ) انظر الكشاف ، 5 / 267 . ( 7 ) نقله عن السمرقندي ، 3 / 246 .